إذا كان لديك اختيار أن تحمل شيئًا صغيرًا في حقيبتك على عجالة، وتترك البيت فورًا... ماذا ستضع في الحقيبة؟
لا أحد يجهز شنطة النزوح.
هي لا تُجهز، هي تُنتزع.
في الدقيقة الأخيرة، لا تفكرين ماذا ستحتاجين.
تفكرين ماذا لا تستطيعين تركه يموت.
فتاة شابة، عشرون عامًا، وقفت أمام دولابها في غزة.
القصف يقترب لدرجة أنها تسمعه في أسنانها.
قالت لأخواتها: "كل واحدة صندوق صغير. حاجة واحدة بس".
أختها الصغيرة لم تختر فستان العيد.
اختارت ورقة مطبقة، جوابًا بخط يد صديقتها الصغيرة، كاتبة فيه: "هنرجع".
كأن الورقة أثقل من البيت.
والفتاة نفسها؟
فتحت كشكول الجامعة.
أول صفحة، مكتوبة بهايلايتر بينك:
First lecture...
لم تأخذ الكشكول لتذاكر.
أخذته لتتذكر أنها كانت بنت جامعية، لها مقعد، ولها أستاذ كان يقول لها: "اكتبي، الكلمة هي التي ستبقيكم".
أخذت الكلمة وتركت السقف.
في معبر رفح، المشهد يتكرر بطريقة أخرى.
أم تجر شنطتين ممزوعتين.
ليس فيهما شيء ثمين.
"أي هدوم قدرت ألمها بعد ما البيت وقع فوقنا".
سألوها: من تركتِ وراءك؟
بكت وقالت: "أمي وأبي. والأمل في الحياة".
وهناك، على الجانب الآخر، طفلة صغيرة أخذوا منها لعبتها على الحاجز.
قالوا لها: اللعبة ممنوعة.
لم يمنعوا لعبة.
منعوا طفلة من أن تكون طفلة، حتى لا تتذكر أنها كانت تملك شيئًا تحبه.
هذا هو المحو.
ليس أن يهدموا بيتك، بل أن يجعلوكِ تشكين أنك كنتِ تملكين بيتًا من الأساس.
لهذا الشنطة ليست شنطة.
هي متحف ذكريات صغير محمول...
هي أرشيف ضد النسيان.
لو سألتِ أي فلسطينية وصلت القاهرة: ماذا في شنطتك؟
ستجدين:
مفتاحًا مصديًا لا يفتح بابًا موجودًا الآن، لكنه يفتح ذاكرة.
توبًا مطرزًا أخذته أمها من أمها، غرزة غرزة، كأنها تخيط خريطة لن تعترف بها جوجل.
شهادة ميلاد، وصورة زفاف، ودفتر تطعيمات طفل.
أشياء لا تساوي شيئًا في أي سوق، وتساوي كل شيء في محكمة الذاكرة.
في النهاية، كلنا لدينا شنطة لم نجهزها بعد.
لو طُلب منكِ الآن، في شقتك التي تقيمين فيها، أن تضعي حياتك كلها في شنطة واحدة وتجري، ماذا ستأخذين؟
وما الذي ستتركينه يتحول لرماد دون أن يلاحظ أحد؟
أرشيف الشنطة يذكرنا أننا لسنا ما نملك.
نحن ما نختار أن نحمله حين لا نستطيع حمل أي شيء.
