اخر حلم فى الحقيبه


في مدينة غريبة، لم تكن تلك الفتاة كباقي أطفال الحيّ؛ فلم تكن تلعب بالعرائس القطنية واللعب الصاخبة كأصحابها، ولم تكن أيضًا تلعب بتليفونها الجوال مع باقي الأطفال؛ فلم تثير شغفها أي من هذه الألعاب، بل كانت تستوقفها الأحلام المكسورة وحدها.


كلما استسلم أحدهم لمنتصف الطريق، وقال بقلب منطفئ: "لقد فات الأوان"، كانت تلمح حلمه يقع مكسوراً على الأرض كشظية زجاج شفافة لا يراها سواه.


تتكئ على الأرض ببطء، تلتقطها بأطراف أصابع حذرة لئلا تجرح روحها قبل يدها، وتودعها في حقيبة قماشية عتيقة طالما رافقت خطاها.


كبرت الحقيبة عامًا بعد عام حتى أثقلت كتفها، وصارت تمشي ببطء من أثر الحمل، لكنها لم تستطع يومًا أن تفلت حبلها؛ فقد كانت تؤمن بيقين راسخ أن كل حلم مات غارقًا في عجلة الحياة كان يستحق فرصة أخرى للنجاة.


وفي ليلة مقمرة، هادئة يملؤها السكون، جلست على سجادة غرفتها المتهالكة وقررت أن تفك رابطة الحقيبة المستعصيه.


لم تكن تتوقع شيئًا سوى جبل من الزجاج الحاد والبارد.


لكن ما إن انفتح الغطاء حتى انبعث دفء خفي، وتطايرت آلاف الطيور الصغيرة المصنوعة من الضوء الخالص، ملأت الغرفة ومضات من نور وأجنحة متلألئة، قبل أن تخترق السقف وتنطلق في سماء المدينة تبحث عن أصحابها القدامى.


وفي الصباح التالي، كان العالم يتنفس بطريقة مختلفة:


استيقظ رجل في الستين من عمره على شغف مباغت، وأمسك بقلمه ليخط الفصل الأول من رواية طالما أجلها.


وعادت امرأة إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد انقطاع دام عشرين عامًا من التردد.


وفتح شاب باب مشروعه الخاص متحررًا من ثقل الخوف والفشل.


وانفحت طاقة نور من الايمان لتلك الام التى أغلقت باب الأمل بعدما أنهكها مرض ابنتها.. نظرت إليها طويلاً وهى نائمه، ثم همست .. لن استسلم... سنبدأ من جديد.


وحملت حقيبتها وذهبت إلى الطبيب ووضعت ابنتها على سلم العلاج مره اخرى.


أما هي، فوقفت بجوار النافذة تتابع طيران النور، حتى لاحظت أن قاع الحقيبة لم يكن فارغًا تمامًا.


بقي في زاويتها المعتمة طائر واحد صغير، ينبض بخفقات خجولة لكنها حية.


اقتربت منه ببطء لتدرك أنه حلمها الأبدي؛ أن تصبح كاتبة تذيع كتاباتها للنور ليقرأها الجميع وتصل كلماتها إلى القلوب.


لقد انشغلت طوال عمرها بترميم أحلام الآخرين وتزيين عتماتهم، حتى نسيت أن تضيء حرفها الخاص وتمنح حلمها طوق النجاة.


رفعت عينيها إلى السماء الممتدة، ابتسمت بمرارة خفيفة ودفء غامر، ثم فتحت كفها وأطلقت طائرها الأخير نحو الأفق الواسع.


أغلقت الحقيبة الخاوية، وخطت خطوتها الأولى في الشارع الفسيح، مستعدة لتبدأ رحلتها من جديد مع ورقة بيضاء وقلم ينتظر البداية..


كان حلمها ان تترك كلمه تعيش بعد رحيلها وان تجد قصصها طريقاً إلى قلوب القراء حتى يأتى اليوم الذى تُفتح فيه نافذه صغيره فى بيت بعيد.


فيجلس شخص لا يعرفها ويقرأ كلماتها فيشعر انها كُتبت من أجله...


هكذا تتمنى .. وتحلم.. وتدعوا...


أحيانًا، لا تموت الأحلام حقًا، بل تنتظر فقط أن يمنحها أحدٌ تذكرة عبور جديدة نحو الحياة.


وعلى قدر حلمك يتسع الكون لك.