تخيّل أنك استيقظت هذا الصباح،
شربت قهوتك المفضلة، وركبت المواصلات أو مشيت الخطوات القليلة نحو مكتبك.
فتحت شاشة حاسوبك، فرأيت قائمة المهام الممتدة كأنها لا تنتهي...
وهنا تحديدًا، حدث شيء غريب وعميق.
لم تشعر بأي شيء على الإطلاق.
لا غضب يحرقك، ولا حماس يدفعك، ولا حتى خوف من المواعيد النهائية.
فقط فراغ تام ورهيب، وكأن أحدًا قد سحب القابس الكهربائي من روحك، ثم هزّ كتفيه ببرود قائلًا:
«انتهى الوقود».
هذا ليس مشهدًا دراميًا من فيلم سينمائي، بل هو النص اليومي المتكرر لآلاف البشر الذين يمشون بيننا كل صباح؛ يبتسمون لزملائهم، ويكتبون إيميلات رسمية أنيقة، ثم يعودون في المساء إلى منازلهم أجسادًا محنطة بالإرهاق والتعب.
فكيف تتسلل النار إلى القش إذن؟
الاحتراق النفسي لا يأتي كالانفجار المفاجئ، بل كالتآكل البطيء الصامت.
يبدأ دائمًا بعاطفة جياشة وشغف كبير تجاه عملك وكل دائرة المقرّبين منك.
ثم تسأل نفسك وسط هذا الضباب:
أنا موجود بس غايب... عارفين ليه؟
لأننا، من كثرة ما رأينا الناس ترتدي الأقنعة، أصبحنا في زمن تبدو فيه الكلمة الطيبة عملة نادرة، وكأن الجميع يبخل بها خوفًا من أن تنقص من قدرهم شيئًا.
صار الواحد منا لا يكاد يسمع من أحدهم كلمة تشجيع دافئة تخبره:
«كمّل... أنت شاطر، أنا جنبك وشايف الجمال اللي جواك، برافو».
الحقيقة المؤلمة أننا لم نحترق من قسوة الشغل،
بل أحرقتنا تفاصيل الناس.
أحرقتنا جفوة التجاهل، وقلة التقدير، وثقل الظلم، وأن تعمل من أعماق قلبك فلا تظفر حتى بكلمة شكر واحدة صادقة من القلب.
لقد أصبح كل شيء حولنا مزيفًا:
الضحكة مزيفة، والسؤال عن الحال مزيف، بل وحتى الحزن باتوا يصنعون له فيلمًا دراميًا مزيفًا.
وحين تدرك أنك تقف وحيدًا في مواجهة هذا الجفاف، تسمع نفسك وهي تقول رغمًا عنك:
أنا موجود بس غايب...
حتى يأتيك الخلاص من الداخل:
طالما أنهم بخلوا عليك بالتقدير، فامنح أنت لنفسك هذا التقدير، وأكرم ذاتك بالمنزلة التي تستحقها.
لا تنتظر الإنصاف من قلوب لا تتقن سوى التمثيل.
صافح قلبك، وامسح على كتفك.
وحين يمتلئ كيانك بهذا الفيض الذاتي، عُد لتُكرم الناس بعدها.
اجبر خواطرهم، وراضِ قلوبهم.
وفي هذا الوقت تحديدًا، وفقط، سيخفت ذلك الاحتراق النفسي المشتعل، وتعود لروحك طمأنينتها وسكينتها.
حين تمنح نفسك التقدير الذي أضاعوه، وتجبر قلبك الذي أهملوه، ستتأكد أن السلام النفسي لا يُشترى من أسواق رضا الناس، بل يُستمد من سكينة الرضا عن الذات.
راضِ نفسك بما تعمل في حب، واتقِ الله في كل ما تفعل، وجدّد امتنانك لذاتك، واترك الناس ولا تلتفت إليهم.
وتحدّث إلى نفسك، وقل:
«سأنجح وأعلو، ومن شرفة الحلم سأنادي النجوم:
ألا افسحوا، إنني قادم!»